مرحبا بك في موقع صحافة بلا حدود

في سبيل الدفاع عن الأمة


النبي المصطفى، صلى الله عليه وسلم، هو الشعار الأكبر، والرمز الأعظم، والقدوة الأحسن، والشخصية التي لم يعرف تاريخ البشرية من يُدانيها في رفعة المقام، وكمال الخَلق والخُلق...، وهو الذي أخرج البشرية قاطبةً من دهاليز ظلام الجهل، والوحشية، والبربرية... إلى نور الحضارة التي، قوامها ومحركها الأساسي، هو القرآن الكريم، وهو المعلم الأكبر للبشرية جمعاء. وكلنا فداءٌ له، صلى الله عليه وسلم، ومن واجباتنا، أمام التاريخ والإنسانية كلها، أن ندافع عنه بكل ما أوتينا من العلم والوسائل والآليات، عن كل ما لا يتوافق ومقامه الأعظم والمقدس، وإن لم ندافع عنه، صلى الله عليه وسلم، سيدافع عنه ربُّه العلي الذي اصطفاه، وجعله خير العالمين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وجعل شريعته رحمة كلها، وعدل كلها، ومصلحة كلها، وتسامح كلها....

وقد عُرف في تاريخ الصّراعات، التي دارت بين الشرق والغرب عموما، وبين الإسلام والغرب خصوصا، منذ الانطلاقة المبكرة، سلسلة من الاعتداءات على مقدساتنا الدينية، وعلى رأسها شخصية النبي المصطفى، صلى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم، والقيم الإسلامية السامية، مثل منع الحجاب، وبناء المساجد ورفع المنارات في ربوع عالم الغرب العالماني. ولم يكن المسلمون تجاه تلك الاعتداءات مكتوفي الأيادي، بل بذلوا كل ما في وسعهم لنصرة الإسلام، وإحياء معالمه، وسننه، في ظلال الدول الغربية العالمانية المعاصرة.
فالغرب الكنسي العالماني، قد تعوَّد اتخاذ مبررات أوهى من خيوط العنكبوت للهجوم على الدول الإسلامية، مثل ما سبق أن رأينا في حادثة 11 سبتمبر في مستهل القرن الواحد والعشرين، الذي كنا نحسبه الألفية السلامية للعالم أجمع. وهي حادثة، عندي، مؤامرة كان قد دبِّرت في الليل للقضاء على العراق وأفغانستان...، وإعادة رسم خارطة ما يسمى بالشرق الأوسط لصالح اليهود، والماسونية، وعبدة الشيطان.
وما حدث في بداية هذه السنة (2015م) في دولة فرنسا العالمانية الملحدة، رغم احترامي لرأي الآخرين، ليس عندي إلا مسرحية ومؤامرة من جديد ضد الإسلام والمسلمين، لنهب ثرواتهم، وغزو عقولهم، ومحو هوياتهم الإسلامية الأصيلة...،  مسرحية مزركشة بألوان من الرسومات، والرموز الغامضة، التي لم يفهمها الكثير من المسلمين، وهي انطلاقة جديدة لسلسلة من صراعات الغرب مع الشرق (الإسلام).
شخصيًّا لا أتصور أن دولةً مثل فرنسا التي أعلنت في غير ما مرةٍ، الحربَ ضد الإسلام وقيمه العالية، أن تتغافل حتى يحدث مثل ما حدث في أعماق قلب باريس، رغم ما للدولة الفرنسية من المعدات الأمنية المتطورة، وفرق التدخل السريع، والمراقبة المستمرة ... إنّ هذه الحادثة لهي مسرحية ما بعدها مسرحية.
وكانت حادثة 11 سبتمبر ذريعة للحرب على أفغانستان والعراق، وهي حرب إمبريالية تمخضت عنها خسائر بشرية ومادية، و ويلات وبلايا جمَّة للمسلمين.
ومع هذه المسرحيات التاريخية السخيفة، التي شاهدناها لم نستعمل المنطق بل كان السائد في ردود الأفعال العاطفةُ واللامعقول والتحجر والعودة إلى الزمان السلفي المثالي.
وبعد انتهاء هذه الحلقة من مسرحيات الغرب الملحد، سنكابد نتائج المؤامرة التي دبرها الغرب الملحد في ليلة البارحة، مؤامرة قد شارك فيها جل رؤسائنا الجبناء السخفاء، سرا وعلانية. كما شاركوا من قبل في مؤامرة حادثة 11 سبتمبر، وفي مؤامرة الثورات... فالسؤال الذي يطرح نفسه، هو: ما هي الدولة المقصودة بهذه المؤامرة ؟ أو ما الذي سيترتب على هذه الحادثة من القرارات الدولية ضد الإسلام والمسلمين في الغرب عموما؟ وفي فرنسا خصوصا؟ هل نحن المسلمين مستعدون لخوض معركة أخرى ضد الغرب؟
آن الأوان لنفُكَّ رموز هذه المشاهد المسرحية، ونتكاتف لمواجهة الامبريالية الغربية، والمؤامرات الدولية ضد الشعوب والدول المسلمة ... وأحسب أنّه من أكبر وسائل الدفاع عن النبي، صلى الله عليه وسلم، الدفاع عن أمته المضطهدة من الظلم، والغصب، والنهب، والقتل، والتشريد، والتضليل، والتدجيل، والتشويه، والتزييف... فالدفاع عن الأمة هو الدفاع عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وبدون الأمة لا نبي، وبدون الأمة لا قرآن. فالأمة منذ أمد مبكر تكابد ثلاثية الفقر، والمرض، والجهل، وقد تداعت عليها الأمم، وشرد أبناؤها في عقر ديارهم، فأصبحوا شعبا مشردًا، يملك الأرض ولكن لا استقرار له.
حان الزمان لنعيد النظر كرةً على التجربة النبوية الأنموذجية، التي أقامت دولة إنسانية شاملة، على ربوع شبه الجزيرة العربية، أيام كان الغرب في قمة وحشيته المطبقة. الأمة اليوم في أمس الحاجة إلى توحيد مقالاتها، وجمع فرقها، وإجماع الأمة بمختلف فرقها، ومذاهبها، لننبذ، من وراء البحار، مقولات الفَرق بين الفرق، ومقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، وإجماع أهل المدينة، وأهل العترة.
فلندافع الأمةَ عن كل ألوان التشتت، والتفرق، والتشرذم، والجهل، والتدجيل، وغسيل الدماغ، لصالح أيديولوجيات معينة، وصراعات عقائدية، كان العامل السياسي وراء نشوبها في الساحة الفكرية. كنا نعتقد أن الغزو الفكري، وغسيل الدماغ، دائما، من صنيع الغرب، في حين بدا لنا يقينا، أننا نمارس العملية نفسها، ونغسل دماغ أبنائنا المسلمين، أملنا في الغد، ونحجبهم عن الحقائق، ونضيق أفقهم الفكرية، ونحرِّم عليهم علوما معينة، ونفرض عليهم علوما أخرى، قد أجرى عليها الدهر ذيول العفا فانطمست رسومها، وهي علوم لا تزيد على الطالب إلا توغلا في المثالية، وسعيًا وراء الزمان السلفي، وتشددا في الحرفية، وبُعدا عن الواقع المعاش، الذي يتطلب فقها جديدا، يمكن تسميته بـــفقه الحضارة، أو فقه المبادرة، أو فقه النهضة الحضارية المنشودة.
دمتم في عون الله وسابغ كلاءته
شيخ انجاي.


البطولة في ميزان الإسلام.


إن غياب بعد النظر ودقة تحيد المصطلحات والمفاهيم لدى الفئة النخبوية، أفرزت مشاكل فكرية كان لها أثرها الخطير في الواقع العملي، ولما كان السلوك انعكاسا للتصور، حيث يصح بصحته، وينحرف بانحرافه، كان لا بد من تأسيس قاعدة مفاهيمية صحيحة تقوم عليها الممارسة والعمل.

إن هناك كلمة شاعت بين الألسن يرددها الناس على من أعجبوا به، وفي التحقيق ندرك أنها كلمة مظلومة ألبست بغير لباسها، إنها "البطولة" و"البطل" فيا ترى ما مفهوم هذه الكلمة؟ وما هو التصور الصحيح الذي رسمه الإسلام لها؟؟؟
في إطلالة تاريخية نرى أن البطولة سادت مفهومها في مجتمعات مثل الرومان واليونان على ذلكم الأناس الذين حققوا انتصارات في الحروب مع أعدائهم، واعتبروا ذلك أسمى سمات البطولة ، فأغفلوا- بتصورهم- عنصرا أهم من ذلك كله، وهو العنصر الأخلاقي، الذي يُقَوِّم البطولة ويُضْفِي عليها الوسمة الإنسانية، ولقد أدى غياب هذا العنصر الجوهري إلى استفحال الفوضى الممارساتية  عند من يوصفون بالبطولة " في المفهوم الغربي" سواء كان ذلك في الحروب بحيث يصبح هدفهم إبادة الخصم من الوجود بأبشع أشكالها. ولا غرو أن طبعت نفوسهم على ذلك الحس الافتراسي ، ذلك أن تربيتهم كانت مركوزة على التكوين الجسمي بعيدا عن التكوين الخلقي وتشعباته، كحال من يُسَمَّوْن ب" الغلاجاتور".
إنّ هذا التصور الخاطئ لمفهوم البطولة أدّى بهم إلى أن يعيشون في إطار مفهوم الوثنية القائمة على عبادة البطولة ورفع الفرد إلى مصاف الآلهة وأنصاف الآلهة، ويجسدون البطولة في تماثيل.
بينما الإسلام يرى البطولة على تقدير الأثر النبيل الذي تُحدثه التربية والعقيدة في توجيه الإنسان وتحويله من حال إلى حال ،كما صنعت العقيدة الإسلامية شخصيات وأعادت صياغتها من جديد في ضوء التوحيد وأخرجتها من شخصيتها القديمة، وأنّ أي مقارنة بين حياة "عمر" قبل الإسلام وبعده تكشف عن ذلك بوضوح، ومهما وصف بطل في الإسلام، فهو إنما يحمل في نفسه قصر العظمة والعبودية كلها لله سبحانه وتعالى.
وأنّ الإسلام لا يؤمن بتجسيد البطولة في تماثيل بقدر ما يركز مفهوم تقديرها في توجيه العمل البطولي نفسه خالصاً لله.
إن  التاريخ  يحدثنا عن بطل مسلم - ربما لا يعرفه كثير منا- إنّه " القائد الفذ ألب أرسلان " الذي استطاع ب15000جندي  لبسوا أكفان الموتى يرددون " الله أكبر" " الله أكبر" ينتظرون الموت في سبيل الله- أن يهزم جيشا ب200000 جنديا، يقودهم "رومانوس" إمبراطور الدولة البيزنطية- وكان هدفه القضاء على الإسلام والمسلمين، فهزم جنودُ الله جنودَ الشيطان، فلما وضعت الحرب أوزارها وقُيّد " رومانوس" بالسلاسل قال له "ألب أرسلان" ما تظن أني فاعل بك؟ قال رومانوس: إن شئت فاقتلني، وإن شئت جرني بالسلاسل، وإن شئت تقبل فديتي وتعفو عني. وأطرق القائد المسلم قليلاً ثم قال: يا رومانوس، أتعاهدني إن عفوت عنك ألا تقاتل بعد اليوم مسلماً أبداً؟ قال رومانوس وقد دمعت عيناه بعد أن أدرك أنه نجا من موت محقق: لك عهدي يا قائد المسلمين، وقام ألب أرسلان ففك قيود أسيره بيديه، وقال له: ستوصلك جنودي إلى مأمنك يا رومانوس، ولقد أمرت لك بخمسة عشر ألف دينار تستعين بها على وصولك.
وهكذا نرى البطولة والانتصار يخدمان قضية الإسلام وهدف الدعوة إليه.
        إن على المسلم أمام التيارات الوافدة والأنظمة المستوردة أن يكون يَقِظا في التعامل معها، وليجعل التصور الإسلامي مقياس التقييم لها قبولا أو رفضا.


الحسين كان الفوتي /باحث في شعبة الدعوة والحضارة

المستعربُ بين مشكلاتِ الصُّنعةِ وَإشكاليَّاتِ التَّصنيعِ


إذا كانت حياة الإنسان - بصفة عامة - مَكْسوَّةً بعديدٍ من النكبات، ومصحوبةً بكثيرٍ من
العقبات، منذ الوقيعة العدوانية الأولى، التي تعرَّض لها أحدُ ابنيْ (آدم) u للقتل .. والحادثة الشيطانيَّة الآدميَّة التي ابْتُلِيَ بِها (آدم) في الجنة، وما يواجهه الإنسانُ من مشكلات كوارث البيئة، وتحدِّيات الطبيعة، وظلم الرِّجالِ في الحياة العامة المتمثل في سوء الممارسات السياسية، وآفة التخطيطات الإداريَّة. وأنَّ عوامل تغيير هذا النمط الفطري مرهونةٌ بمقدِّماتٍ، وموكَّلةٌ بمسبِّباتٍ ليس بينها وبين الإنسان حاجب يحجبه، ولا مانع يمنعه ... ففي هذا السياق، يكون المستعربُ - من هذه الناحية - واحدًا من أولئك الأفراد بحكم إنسانيَّته وانتمائه إلى الجنس البشري الذي قال عنه صانعه عزَّ وجلَّ: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ}[1] فخلقه في كبدٍ صنعَةٌ إلهيَّةٌ وحقيقةٌ طبيعيةٌ أراد الله بِها تعويدَ الإنسان على مواجهة مشاكله، وليس هذا فحسب بل لِيَتَغَلَّبَ عليها بأسسٍ إيمانيةٍ راسخةٍ، وطرق علمية صافيةٍ، وسبل عملية واسعةٍ؛ مصداقًا لقوله تعالى: {والعَصْرِ (1) إِنَّ الْإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ(3)}[2]
وعلى صعيد إشكاليات التصنيع فالأمر فيه واضحٌ؛ وذلك - كما أشرت إليه في محاضرة ألقيتها في السنة الماضية - أنَّ محاولاتِ صانعي سياساتنا من داخل بلادنا وخارجها تعكس العدَّةَ الفكريَّةَ ومعدَّاتِ الحياة المادِّيَّة التي يَحيَا ويعيش من خلالِها المستعرب – إذا تبنَّيْنا واعتمدنا على أنَّ الإنسان  ككائنٍ حيٍّ، يعيش بناءً على استعداداته العلمية وتجاربه العملية تحت ظل أنظمة متعاقبةٍ، كنظام العالم الجديد (mondialisation) la– الذي نعيش تحت سمائه الآن. ولماذا ذلك حقيقةً؟
فالجواب هو: أنَّ الظواهر المصطنعة التي تغطي حياتنا، بهيئاتها الإعلامية، والتربوية، والإغاثية، هي عبارة عن: آليات وأدوات تعمل بفاعليَّة مفرطة لتفسد دِيننا الذي هو عصمة أمرنا، والذي يعقبه – بحكم المنطق – فساد دنيانا وآخرتنا!! كظاهرة التغريب مثلا؛ التي أصبحت اليوم أهمَّ المسائل الحساسة لدى الغرب، لتضعيف القوة الخارجية للأمة الإسلامية، ومفهوم التغريب - بطبيعة الحال - هو: "طبعُ الدُّولِ الإسلاميَّة بطابع الحضارةِ الغربيَّة في: العاداتِ والقيم من أجل ابتعادها عن شريعتها وتراثها الحضاري"[3]  
والواقع أنَّ الْمُعَرْقِلَ الوحيدَ الذي يقف دون تحقيق هذا الهدف التغريبي، هو ذلك الإقبال المكثف والانفتاح الكبير (للثقافة العربية) تعليمًا وتعلُّمًا في جلِّ البلاد الإفريقية والآسيوية؛ الأمر الذي أدَّى بالْمُتَرَبِّعينَ على عرش السيادة والقيادة التنصيرية المدعَّمين من قبل الحكومة والسلطة الدينية الفاتيكانية إلى توجيه هجمات شرسة لقطع الصلة بين المسلمين وتعلُّم اللغة العربية وتعليمها، وذلك من خلال حملات استهدافٍ قويةٍ، وضربات متتالية في حاضرتِها، فيما بين حرب التغريب من قبل الأعداء من ناحية، وحال تجاهلٍ وعقوقٍ من بعض أبنائها من ناحية أخرى؛ لينعكس ذلك سلبًا على المستعرب الدخيلِ في مجتمعه، والمجهولِ في المجتمعات العربية بحكم لونه ولسانه، والْمُحَذَّر منه في المجتمع الغربيِّ بناءً على ما يتوقَّع منه من قيامٍ بأعمال إرهابيّة بحكم أيديولوجيته حسب تصوُّرات الفكر الغربيِّ السائد.
وأخيرًا، فإنَّ الحلَّ موجودٌ، والقدرةَ كافيةٌ!! فيا أخي (المتشائم) بشائعاتِ أشباهِ الرجال الذين يداوون الزكام بالجذام، لا أطلب منك إلا ما قال لي أحدُ إخواني المخلصين: ألا وهو القيام بما قام به الناجحون المتفائلون - بغضِّ النظر عن نوعِ ما تلقَّوْهُ من ثقافة أو لغةٍ - وأن تنظر إلى المستقبل متفائلا؛ لأنَّ المشاكل ستزول بِحولِ مَنْ إذا قال في أمره كُنْ كانَ (الله سبحانه وتعالى)! واجتهد في الدراسة فإنَّها مفتاحُ كل تفاؤلٍ، وعلاج كلِّ تشاؤمٍ، ولا تَسْتَمِعَنَّ أبدًا إلى تلك الأقاويل التي يشيعها الطلاب فيما بينهم، والمتعلقة بعدم جدوى الدراسة العربية، لأنَّها أفكارٌ غير صائبة، فكم من أشخاصٍ تعلَّموا في بلاد الغرب (بأمريكا وفرنسا) بل وفي دولتك من أقربائك وزملائك، وهم مع تمكنهم في تلك اللغات الغربية عاطلون عن العمل ومع كثرتِهم الفائقة مُبَدَّدُونَ، فاللغة ليست - في حد ذاتِها - عائقًا للبطالة، بدليل وجود تلك الكثرة الكاثرة، وذلك الكمِّ الهائل - في صفوف المستعربين وزمرة حملة الثقافات والشهادات العربيِّةِ - ممِّن استقدمتهم المؤسسات الكبرى، ووظفتهم المنظمات العظمى بقطاعاتِها الخاصَّةِ والعامَّةِ، وسوف تطول القائمة إذا أردنا تسجيل أسماء بعضهم! فواصل المسيرة، ولا تفكِّر فيما لم يقع بعد؛ فإن وقع ربنا سيسهِّل، واصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل فستأتيك الدنيا بحذافيرها، وكن متوكِّلا ولا تكن متواكلا! ولكن - كما قال تعالى -: {فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ}[4] صدق الله العظيم.

إعداد الباحث/ محمد فؤاد سانو
قسم الدراسات العليا - شعبة الدعوة والحضارة.




[1] - سورة البلد، آية: 4.
[2] - سورة العصر، آيات: 1-3.
[3] - مباحث عامة في الثقافة والفكر الإسلامي، د. محمد عز الدين الغرياني
[4]- سورة الأحقاف، آية:35.

من مفاتيح النجاح الدراسي

  
          إن الهدف السامي الذي يسعى تحقيقه كلّ طالب جامعي هو النجاح الدراسي. وإن كلمة النجاح كثيرا ما يتلجلج ذكرها بين الأوساط الطلابية وفي أروقة الجامعات والكليات، كما أنها غالبا ما نسمعها وهي مقترنة ومرتبطة بمفردة أخرى من المفردات المتبادلة في الحرم الجامعي وهي التوفيق، نسأل الله أن يوفقنا جميعا.
فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما المقصود بالنجاح الدراسي، وما هي الأساليب والإجراءات السلوكيات التي تساعد على تحقيق هذا النجاح؟
هذه التساؤلات وغيرها هي ما نحن بصدد البحث عن إجابات مقنعة لها وذلك خلال هذه المحاولات البسيطة المتواضعة.
ما هو النجاح؟

لعل أول ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر كلمة النجاح هو وصول الشخص إلى الهدف الذي يَصبُو إليه، إذن يمكن تعريف النجاح بأنه تحقيق الأهداف التي حددها الشخص لنفسه.
وبناء على ذلك يُقصد بالنجاح الدراسي تحقيق الطالب لما يشتاق إليه في دراسته من شهادات أو مستوى معرفي أو إجازة أو درجة علمية معينة.
والنجاح مرتبط ارتباطا وثيقا بالهدف؛ ذلك أنه لا نجاح إلا بوجود هدف، وإلا كيف نعرف أن فلانا نجح في شيء ما أو فشل فيه..؟ والنجاح شيء نسبي مثل الإنجاز: فقد يحقق منتخب ما في كرة القدم إنجازا في بطولة ما، في حين لا يعتبر هذا الإنجازَ عظيما أو جسيما إذا ما حققه منتخب آخر، فهذا سند حيّ على أن النجاح شيء نسبيّ.
إذا عرفنا النجاح الدراسي فما هي إذن الأساليب والمفاتيح التي تساعد على ذلك؟
أولا: تحديد الهدف :
الدافع الأساسي لأي تحرك بشري هو وجود هدف يسعى لتحقيقه،ٍ سأعطيكم مثالا: فالسياسي يتنقّل أثناء الحملات الانتخابية من منطقة لأخرى وبين الأقاليم والمحافظات والدوائر وهدفه الأساسي هو كسب أصوات الناخبين، والمدرس يتعب في تحضير الدرس في المنزل ويسهر على تصحيح الواجبات والامتحانات لكي يخرج من بين طلابه قادة وأطباء ومهندسون في المستقبل البعيد أو القريب. والشيء نفسه، أنت أيها الطالب تلتزم بحضور المحاضرات، وكتابة البحوث والتقارير وتسجيل الملاحظات من الأستاذ في القاعة، ودفع الرسوم وشراء مستلزمات الدراسة لأنك تريد أن تحقق هدفا معينا في دراستك .فوجود الهدف هو ركيزة النجاح.
ثانيا: عدم تأخير الواجبات عن أوقاتها:   
من العبارات التي نحفظها جميعا مقولة(لا تؤخّر عمل اليوم إلى الغد) ولكن المؤسف هو أن قليلا من يطبّق معناها سواء في حياته اليوميّة أو مسيرته الدراسيّة. فترى هذا الطالب الذي عنده امتحان بعد ثلاثة أيام لا يراجع إلا عشيّة الامتحان أو في يومه ولسان حاله ربما هو (الشيطان)يقول: هناك متّسع من الوقت للمراجعة، بقي ثلاثة أيام، لعلّك على صواب، لكن ما أدراك أنك لا تكون مشغولا خلال الأيام التالية بأشياء أخرى. فلنحذر من التسويف لأننا لا نقدر على انتهاء أجل الله، ولنحذر أيضا التماطل والتحايل ومهما بدا لنا صعب ومعقّد في العمل. فالبداية في العمل تعني الانتهاء منه.
ثالثا: لا تغب عن أيّ محاضرة ولا تتأخر عنها:
 الحضور والتواجد في المحاضرات مهم جدا حيث إن نسبة جسيمة من المعلومات التي يقولها الأستاذ في القاعة قد لا توجد في الكتاب المقرر، والطالب الذي لا يحضر المحاضرات  وينتظر قرب موعد الامتحان ليتصفح الكتاب المقرر لا يستفيد كثيرا من المادة، كما أن عدم التغيب يساعد على اجتياز الامتحانات بعلامات ممتازة رائعة فكم يردّد الأستاذ :هذه النقطة مهمة في الامتحان، ركّز على الفصل الفلاني ،أسلوبي في وضع الأسئلة هكذا، ممكن أن يأتي السؤال على النحو التالي...إلى غير ذلك من الأمور المتعلقة باجتياز الامتحان بنجاح.

رابعا: كن معترفا بالخطأ والفشل:
 يقول أحد الفلاسفة عندما سئل ما النجاح ؟ فقال: هي مجموعة من الفشل، فلا تتمادى في الخطأ رغم وضوحه، وما أشدَّ حاجتَنا إلى نصيحة ذلك الحكيم حيث قال:(لو أنّني أبني جبلا، ثم هجرت عملي قبل أن أضع الحجر الأخير في قمّته لعدَدت نفسي فاشلا)، وكن صابرا في جميع أعمالك لأن الصبرَ والجلدَ  والثَباتَ من مرتكزات النجاح، وهو أيضا مفتاح الفرج، ولأن قوّةَ الجلد والصبر كثيرا ما تُفضي إلى النُبوغ والعبقريّة، ولأنّها تُكسب الفردَ سعةً ونموًّا وعمقا، و إن هذه البحوثَ الشائقةَ الدقيقةَ التّي بين أيدينا هي من انتاج قوّة الصبر.
سادسا: مارس الرياضة بانتظام:
يقول أفلاطون(العقل السليم في الجسم السليم)
وممارسة الرياضة تفتح الذهن، وتنسى الهموم والآلام النفسية وتقوّى الروابط الاجتماعية بين الزملاء، وهي المادة التي تبني الجسمَ ، وتُجدّد النّشاطَ، وتُنشّط العقلَ، سواء أكان كرة القدم أو الطائرة أو  الطاولة ، أو رياضة المشي وغيرها، ولا فرق بين الرجال والنساء ولا بين الكبير والصغير .
سابعا: نَم مبكرا واستيقظ مبكرا:
وتجنّب السَّهر في غير فائدة وقد سَهرت مرّات ومازلت أسهر وما رأيت في السَهَر منفعة سوى تأخير صلاة الفجر عن وقتها والتأخّر عن موعد المحاضرة والكسل أثناء النهار. ويؤكد كثير من الخبراء أن وقت السَّحَر وبعد صلاة الفجر مناسب جدا للحفظ فلا  تفوت هذه الفرصة عند المذاكرة للامتحان.
ثامنا: كن مرتّبا ونظيفا:
رتّب غرفة نومك فلا تترك الكتب والملابس مبعثَرة، رتّب كتبك على الطاولة المخصصة لها وملابسك داخل الدولاب وأحذيتك فوق الرفوف، ولا تترك القمامة والنفايات تحتل حيزا من حُجرَتك، تخلّص من الأوراق التي لا تحتاج إليها، وضع الكتب التي تستخدمها كثيرا في مكان معين وكتب الفصول السابقة في مكان آخر، كن هنداما في مكانك أي نظيفا في بدنك ومَلابسك.
تاسعا: طوّر نفسك ذاتيا:
بمطالعة الكتب الخارجية وحضور الندوات والمحاضرات والمشاركة في المسابقات الثقافية، بعض الناس يتقاعسون و يُهمّشون تلك المسابقات بدعوى أنهم لا يعرفون، والحقيقة أن المسابقات-في أيّ مستوى- هدفها الأساسي تثقيف المشاركين.
عاشرا: اهتم بقراءات الكتب والمقالات التي تتحدث عن النجاح الدراسي حاول تطبيق كل ما قرأته من نصائح وتوجيهات في هذا المجال فسترى النتائج بسرعة، ومن الكتب والمقالات التي سأعرض لكم لكي تقرؤوها، وذلك لما فيها من معلومات قيّمة ومفيدة 
حادية عشر والأخيرة: كن إيجابيّا:
شارك في الأنشطة الطلابية المختلفة سواء في السكن أو الجامعة أو الاتحاد، شارك في اللجان في اتحادك، وكن إيجابيا في المشاركة في جميع أنشطة الاتحاد ولا تتهرب من تحمّل أي مسئولية في الاتحاد فرئاسة الاتحاد ليست رئاسة دولة، والأمين العام للاتحاد الطلابي ليس الأمين العام للأمم المتحدة، ومسئول الرياضة ليس رئيسا للفيفا، وأمين الصندوق ليس وزيرا للخزانة الأمريكية، ونشر مقال في مجلة(المستقبل)ليس كتابة مقال في موقع الجزيرة أوبي بي سي أو نيويورك تايمز. لا أقصد في هذا الكلام أن أقلّل من شأن رئاسة الاتحادات أو أستخفّ بدور مسئول الرياضة، أو أقلّل من مستوى المقالات المنشورة في المجلة ،كلما أريده هو أن المشاركة الإيجابية في الأنشطة الطلابية إنما هو تعلم وتدرب على تحمّل مسئوليات جسام في المستقبل القريب أو البعيد بالإضافة إلى الفوائد الاجتماعية من تقوية الروابط وتوطيد العلاقات.
وإذا نظرنا نظرة فاحصة تلاحظون أنني خرجت كثيرا من الموضوع وذلك لبيان أن النجاح الدراسي ليس فقط النجاح في الدراسة بل يجب على الطالب أن يكون متميزا في كل مجال، وننبّهكم جميعا أن هذه النقاط التي ذكرناها سالفا لا تتحقق أبدا إلا بوجود الأدب، وإلا سيكون العلم هباء غبارا منبثّا متطايرا في الجوّ، وهذا الذي تطرّق إليه أحد شيوخ الإسلام حيث يقول في قصيدة من قصائده:
العلم لا بكثرة الرواية                    بل إنه النور مع الدراية
فكثرة العلم بغير أدب                    جالبة إلى الأذى والتعب.

بقلم الطالب: شيخ غي - سنغالي

المرحلة: التمهيدية

أيّام الجنون



قال لي خليلي الذي لم ألتق معه مذ عشرة أيام ، أين كنت في هذه الأيام يا ابن أمي ؟ فأجبته بلا دهشة ألا تدري بأن هذه الأيام تسمى أيام الجنون ، قال : لا، قلت له أحسن لك ألا تدري ، فقال لي أريد أن أعرف، قلت له به..! به..!
عليك أولا أن تعفو وتصفح لجميع زملائك في هذه الأيام ـ أيام تصير السماء أرضا والأرض  سماء  فيها ، أيام تتغيّر ألوان الورى فيها ، أيام هؤلاء يسعون إلى بيت الله ، وهؤلاء يهجرونه ـ لأنّهم يزعمون أن الأوقات في هذه الأيام ثمينة كلؤلؤ، الآن ولقد كنت وكنت ، وصدق القائل : هي الأيام والعبر... وأمر الله ينتظر .
يا ترى أتدري لم كل هذه التغيّرات والعجائب في هذه الأيام ؛ لأننا قلبنا مفهوم التعليم والامتحان ، كيف ذلك ؟ يا صديق لا تسأم اصطبر وتابعني وأقسم إن تابعتني لتصدقنّ قولي .
 الأصل الأصيل في الامتحان هو وسيلة لا غاية، وأنت تعلم البون الذي بين هذا وذاك، أعود وأقول لك  : وسيلة تعتمد عليها للانتقال من مرحلة إلى أخرى أليس كذلك ؟ لكن الآن فُهم أنه ـ أعني الامتحان ـ غاية لا وسيلة  من أجل ذلك نعيش معلّقة بآخر السنة ، فُم لا يقف الأمر عند هذا الشاطئ، ما دام الامتحان غاية فالنجاح غاية الغايات، وما دمنا أعظمنا الامتحان أكثر مما يليق فلا بدّ أن نرى أعجب العجائب منها:
 ظاهرة الغش ـ وما أدراك ما الغش ـ والحلّ في هذه الظاهرة أن نجعل الامتحان وسيلة لا غاية  مع عرفان بأنه شرّ لا بدّ منه ولا مفرّ ، ونكون على يقظة بأن العلم والشهادة كالدنيا والآخرة . وأرجو للجميع التفوّقَ في هذه الأيام القلائل وفي دار البقاء .
  علي تابصوبا/ بوكينابي الجنسية
السنة/ الرابعة كلية    

سلسلة في المصطلح القرآني (1)


مصطلح الأُمَّة.
أولا: مصطلح الأمة في اللسان العربي:
"الأَمُّ" في اللسان العربي المبين: مداره على القصد، وجاء في لسان العرب: وأصل هذا الباب كله من القصد. يقال: أممتُ إليه إذا قصدته؛ فمعنى "الأُمة" في الدين، أن مقصدهم مقصد واحد، ومعنى "الإِمَّة" في النعمة، إنما هو الشيء الذي يقصده الخلق ويطلبونه، ومعنى "الأُمة" في الرجل المنفرد الذي لا نظير له أن قصده منفرد من قصد سائر الناس. ومعنى الأمة القائمة، سائر مقصد الجسد، وليس يخرج شيء عن هذا الباب عن معنى أممت : قصدت[1].
وعند تحليل هذا الأصل اللغوي، وإرجاعه إلى مكوناته الدلالية، يُرى أن مدار الأمة في لسان العرب على: الجمع الموَحَّد، كما قال الراغب: الأمة هي: كل جماعة يجمعهم أمر ما؛ إما دين واحد، أو زمان، واحد، أو مكان واحد... سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرا أو اختيارا[2]؛ فإنه يتبين لنا أن كبرى العناصر المكونة لـــمركَّب الأمة ثلاثة: عنصر الجمع، وعنصر الوحدة، وعنصر القصد، ويكمن سر تفاعل هذه العناصر الكبرى في طبيعة الأمر الجامع بتعبير الراغب.
وعلى هذا فمناط وجود الأمة هو الأمر الجامع؛ تسخيرا أو اختيارا، فإذا وجد وجدت، وإذا غاب غابت.
ثانيا: مصطلح الأمة في القاموس القرآني:
وأما مصطلح الأمة فقد ورد في القرآن الكريم بمعانيها المتعددة، واستعملت بصيغة الأفراد إحدى وخمسين مرة، وبصيغة الجمع ثلاث عشرة مرة[3].وسيعنينا في هذا الإحصاء أمران:
الأمر الأول، هو: أن مسمى الأمة والمكونين لها تحدده الآيات الآتية: ﭽ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭼ[4]ﭽ ﮖﮗﮙﮚﮛﮜﮝ \ﮞ ﮟ ﮠﮡﮢ ﮣ ﮤ ﮥﭼ[5]، ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭼ[6] .
ويستفاد من هذه الآيات، أن جميع العناصر المكونة لمركب الأمة موجودة في المخاطبين بهذه الآيات؛ فهم جماعة، موحدون، رساليون، قاصدون، إنهم أمة واحدة من دون الناس، أمة أخرجت للناس لتكون شهداء على الناس، ولتخرجوا كل الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد...
هكذا جعلهم الله تعالى ليكونوا الأمة، وهكذا في واقع التاريخ، وزمن الخطاب يمثلون الأمة، وهكذا ينبغي أن يكونوا في أي تاريخ، وفي أي زمن؛ ليصدق عليهم لفظ الأمة[7].
إن الجامع المشترك للمكونين للأمة هو: الإسلام، فالخطاب في «جعلناكم»، و«منكم»، و«كنتم»، ليس إلا للمسلمين، فتشمل الدلالة، بذلك، جميعَ المسلمين على امتداد التاريخ، منذ البعثة إلى نهاية التكليف. فرسالة الأمة، ووظيفتها، وموقعها، هو الشهادة على الناس، وهو جعلٌ مِن الله، ولا شهادة بغير أهلية الشهادة، ولو كانت في الأمور الصغيرة، فكيف بالشهادة على الناس كل الناس؟
وشروط أهلية الشهادة، حسب تحديد الآيات، هي: أن تكون أمة. ولا أمة بغير وحدة ما يُؤَمُّ "القصد". وأن تكونوا وسطيا. ولا وسطية بغير خِيرة، ولا خيرة بغير قوة وأمانة، وتوسد الأمانة للأقوياء لا للضعفاء. ومع ذلك، لا يكفي في أداء الشهادة شرطا الأمة والوسط، فلا بد من الشهود الحضاري لأداء الشهادة؛ «فحين تكون الشهادة بالخِيرة، ومن أمة لا من أفراد، وعلى الناس جميعا لا على بعضهم، فإن الشهود والحضور لا بد أن يكون حضاريا؛ أي حضورا بالإمامة في كل المجالات، وعلى كل المستويات، وفي كل الأوقات»[8].
الأمر الثاني، هو: أن اسم الأمة الصحيح والمكونين لها هو الأمة المسلمة لا الأمة الإسلامية[9]، ولا غير ذلك مما أبعد. وفي التعبير القرآني بــــ"أمة مسلمة لك"، فيه من تمثيل الاسم للمسمى، ومطابقة المصطلح للمفهوم، إذ شتان في الصلة بالإسلام بين أمة مسلمة وأمة إسلامية؛ شتان بين أمة تتصف بالإسلام وتمارس الإسلام وخلقُها الإسلام، وبين أمة تنسب إلى الإسلام وتحسب على الإسلام وتضاف إلى الإسلام.
وإن اسم المكونين للأمة الصحيح هو المسلمون لا الإسلاميون، انسجاما مع اسم الأمة التي هم لها مكوِّنون وبها كائنون. وشتان في المصطلح والمفهوم بين المسلمين والإسلاميين، وشتان في الأصالة والرسوخ بين لفظ محدث يكاد يتبرأ منه الوحي لما نسب إليه من العنف، والوحشية والحرفية...، ولفظ عتيق مختار منصوص عليه ضارب في أعماق الوحي [10]. فقدم الاسمين وتعاقبهما في دعوة سيدنا إبراهيم- عليه السلام- يدل على قدم المُسميين وتعاقبهما في تاريخ الإسلام منذ انطلاقه مع دعوات الأنبياء والمرسلين عليه صلوات ربهم الكريم.
وعلى الجملة، يُرى أن الأمة المقصودة في الاستعمال القرآني، هي الأمة المسلمة، بما تتضمنه من خصوصية في المكونات، وما تستلزمه من خصوصية في "الأمر الجامع" لها، الذي هو الإسلامي من وحدات؛ من وحدة الإله، إلى وحدة الكتاب (القرآن)، إلى وحدة الإمام (النبي محمد صلى الله عليه وسلم)، بغض النظر عما آلت إليه اليوم في تمثلها للإسلام وتمثيلها.
وعليه يتوجب علينا إعادة النظر في مصطلح الأمة الإسلامية، أو الحركة الإسلامية، أو...أو...، هذا المصطلح السائد في الأدبيات المعاصرة، وإن كان مصطلحا، من حيث الاستعمال، مصطلحا صحيحا غير أن المصطلح المختار في الاستعمال القرآني هو مصطلح الأمة المسلمة.
(تابع)
بقلم/ شيخ انجاي.



[1] - ينظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة: (أم)،ج: 3، ص: 133.
[2] - الراغب الأصفهاني، مفردات القرآن، دار القلم، دمشق، ص: 41.
[3] - ينظر: محمد بسام رشدي  الزين، المعجم المفهرس لمعاني القرآن الكريم، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، ط: 11، س: 1995م، ج: 1، ص: 150.
[4] - سورة البقرة، من الآية: 143.
[5] - سورة آل عمران، من الآية: 104.
[6] - سورة آل عمران، من الآية: 110.
[7] - ينظر: الشاهد البوشيخي، فقه واقع الأمة، دراسة في المفهوم، مجلة حراء، ص: 10.
[8] - علي شريعتي، الأمة والإمامة، ص: 32-33.
[9] - كما في قوله تعالى (... أمة مسلمة لك...)، البقرة: 128.
[10] - كما في قوله تعالى: (...هو سماكم المسلمين من قبل...) الحج:78.